وهج الظلام
04-30-2008, 05:18 PM
( هذه القصة واقعية حصلت مع ابن الشهيد المجاهد " محمد محمود عساف " - من مجاهدي المقاومة ، استشهد عام 1989 دفاعا عن الوطن ، متزوج وله ولدان - )
كان يرمق الأولاد و هم يلعبون كرة القدم و ضجيجهم يمزق صمته المطبق على حزن عميق و هو على الشرفة وحيداً ، تتفقده والدته تارة و تحفزه للنزول و اللعب مع أقرانه تارة أخرى ، غير أن محاولاتها باءت بالفشل .. لقد تغير محمود كثيراً منذ استشهاد والده ، خيمت على روحه الكآبة و ذبل نشاطه ، و ندرت ابتسامته ، و صار ينفرد بنفسه ساعات طوال حتى كأنه يحس أنه في هذه الدنيا مجرد زائر لا مكان له ..
مرت ثلاثة سنوات على استشهاد والده ، و هاقد بلغ محمود سن السادسة و لم يفقه بعد سر غيابه ، فما فتء يسأل عنه بإلحاح شديد ، و ينتظره ، و يحسب في كل شيء حسابه كأن السنوات الثلاثة اتي مرت مجرد لحظات ..
دخل إلى المنزل و راح يلعب على الدراجة الهوائية الصغيرة ، فينتقل بين غرف النوم و الصالة ، و كلما وصل إلى جانب والدته استعمل صوته بوقاً لتبتعد عن طريقه و هي تمازحه و تلاعبه .. و بين ذهاب و إياب كسرت الدراجة و انفصل المقود و العجلة الأمامية عن الجزء الخلفي منها .. فسارعت إليه والدته خوفاً من ان يكون قد جرح إثر سقوطه أرضًا ، إلا أنه جلس لينظر بعينيه الدامعتين إلى الدراجة المكسورة ..
إنها ليست المرة الأولى التي تنكسر فيها الدراجة بمحمود ، و لم يعد ينفع أخذها إلى التصليح ، لكن والدته التي وعدت أن تشتري له أخرى جديدة ، خففت عنه الأسى بخسارتها ، فحملت الدراجة ووضعتها في العلية بحيث كانت العجلة الخلفية صوب بابها .. بقي محمود ينظر إلى أمه صامتاً و هي تهيء نفسها للذهاب إلى السوق ، و بين فينة و أخرى يلقي نظرة خاطفة على الدراجة ، ثم ما لبث أن وقف مجدداً على الشرفة لينظر إلى لعب الأولاد ، و قد شقت أمه طريقها بينهم بعد أن مرت بهدوء ووقار ..
سرعان ما عاد محمود إلى الداخل متهادياً ، مطرق الرأس يفكر بما يمكن أ ن يسليه ، لكن نظراتها المتراقصة على بلاط المنزل شخصت على قدمين تقتربان منه .. رفع رأسه مبتسماً و قد اقتراب الرجل الزائر منه ليمسح على رأسه ، معانقاً إياه بحرارة و شوق ..
مشى الزائر و محمود في البيت بخفة متناهية حتى وصلا إلى حيث العلية ، فمد الرجل يده و أنزل الدراجة و بدأ بإصلاحها .. و محمود يحادثه و يضحك كأنه يعوض اللحظات التي يغيب فيها عنه الزائر الذي يأتي من حين لآخر عندما تخرج أمه من المنزل ..
لم يستغرق وقت إصلاح الدراجة مع الرجل وقتاً طويلاً ، و أجاد ربطها بعضها البعض ، فأركب محمود عليها و ساعده في قيادتها من غرفة لأخرى ، ثم ما لبث أن أنزل محمود عنها و أعادها إلى مكانها في العلية .. في هذا الوقت كان صوت المفتاح - الذي دار في قفل الباب و المنبئ على أن والدة محمود رجعت من السوق - يرن في هدوء البيت ، فسارع محمود إليها ليخبرها أن الرجل أصلح دراجته و ساعده باللعب عليها حتى تعب من قيادتها ، فاستغربت للأمر خصوصاً و أنها تقفل الباب جيداً عندما تخرج ..
طلبت الأم من ولدها أن يخفف من حماسته لتفهم ما يود قوله ، و لكنه أخذ بيدها و ركض صوب العلية مشيراً إلى الدراجة فوجدتها موضوعة عكس الطريقة التي وضعتها بها قبل أن تخرج من البيت ..
مدت يدها و أنزلتها ، و لم تصدق عينيها عندما رأت أن الدراجة قد أصلحت ..
جلست على الأرض ، و نظرت إلى وجه محمود الملون بسعادة عارم ، و سألته : من أصلح الدراجة ؟
اقترب منها و مسح بيده الصغيرة دمعة فرت من مقلتيها : أنها دائماً يلعب معي عندما لا تكونين في المنزل .. إنه أبي !
كان يرمق الأولاد و هم يلعبون كرة القدم و ضجيجهم يمزق صمته المطبق على حزن عميق و هو على الشرفة وحيداً ، تتفقده والدته تارة و تحفزه للنزول و اللعب مع أقرانه تارة أخرى ، غير أن محاولاتها باءت بالفشل .. لقد تغير محمود كثيراً منذ استشهاد والده ، خيمت على روحه الكآبة و ذبل نشاطه ، و ندرت ابتسامته ، و صار ينفرد بنفسه ساعات طوال حتى كأنه يحس أنه في هذه الدنيا مجرد زائر لا مكان له ..
مرت ثلاثة سنوات على استشهاد والده ، و هاقد بلغ محمود سن السادسة و لم يفقه بعد سر غيابه ، فما فتء يسأل عنه بإلحاح شديد ، و ينتظره ، و يحسب في كل شيء حسابه كأن السنوات الثلاثة اتي مرت مجرد لحظات ..
دخل إلى المنزل و راح يلعب على الدراجة الهوائية الصغيرة ، فينتقل بين غرف النوم و الصالة ، و كلما وصل إلى جانب والدته استعمل صوته بوقاً لتبتعد عن طريقه و هي تمازحه و تلاعبه .. و بين ذهاب و إياب كسرت الدراجة و انفصل المقود و العجلة الأمامية عن الجزء الخلفي منها .. فسارعت إليه والدته خوفاً من ان يكون قد جرح إثر سقوطه أرضًا ، إلا أنه جلس لينظر بعينيه الدامعتين إلى الدراجة المكسورة ..
إنها ليست المرة الأولى التي تنكسر فيها الدراجة بمحمود ، و لم يعد ينفع أخذها إلى التصليح ، لكن والدته التي وعدت أن تشتري له أخرى جديدة ، خففت عنه الأسى بخسارتها ، فحملت الدراجة ووضعتها في العلية بحيث كانت العجلة الخلفية صوب بابها .. بقي محمود ينظر إلى أمه صامتاً و هي تهيء نفسها للذهاب إلى السوق ، و بين فينة و أخرى يلقي نظرة خاطفة على الدراجة ، ثم ما لبث أن وقف مجدداً على الشرفة لينظر إلى لعب الأولاد ، و قد شقت أمه طريقها بينهم بعد أن مرت بهدوء ووقار ..
سرعان ما عاد محمود إلى الداخل متهادياً ، مطرق الرأس يفكر بما يمكن أ ن يسليه ، لكن نظراتها المتراقصة على بلاط المنزل شخصت على قدمين تقتربان منه .. رفع رأسه مبتسماً و قد اقتراب الرجل الزائر منه ليمسح على رأسه ، معانقاً إياه بحرارة و شوق ..
مشى الزائر و محمود في البيت بخفة متناهية حتى وصلا إلى حيث العلية ، فمد الرجل يده و أنزل الدراجة و بدأ بإصلاحها .. و محمود يحادثه و يضحك كأنه يعوض اللحظات التي يغيب فيها عنه الزائر الذي يأتي من حين لآخر عندما تخرج أمه من المنزل ..
لم يستغرق وقت إصلاح الدراجة مع الرجل وقتاً طويلاً ، و أجاد ربطها بعضها البعض ، فأركب محمود عليها و ساعده في قيادتها من غرفة لأخرى ، ثم ما لبث أن أنزل محمود عنها و أعادها إلى مكانها في العلية .. في هذا الوقت كان صوت المفتاح - الذي دار في قفل الباب و المنبئ على أن والدة محمود رجعت من السوق - يرن في هدوء البيت ، فسارع محمود إليها ليخبرها أن الرجل أصلح دراجته و ساعده باللعب عليها حتى تعب من قيادتها ، فاستغربت للأمر خصوصاً و أنها تقفل الباب جيداً عندما تخرج ..
طلبت الأم من ولدها أن يخفف من حماسته لتفهم ما يود قوله ، و لكنه أخذ بيدها و ركض صوب العلية مشيراً إلى الدراجة فوجدتها موضوعة عكس الطريقة التي وضعتها بها قبل أن تخرج من البيت ..
مدت يدها و أنزلتها ، و لم تصدق عينيها عندما رأت أن الدراجة قد أصلحت ..
جلست على الأرض ، و نظرت إلى وجه محمود الملون بسعادة عارم ، و سألته : من أصلح الدراجة ؟
اقترب منها و مسح بيده الصغيرة دمعة فرت من مقلتيها : أنها دائماً يلعب معي عندما لا تكونين في المنزل .. إنه أبي !